اعتبر محللون سياسيون أن ما يشهده الأردن خلال الصيف
الحالي أقرب ما يكون إلى "انفجار اجتماعي"، مشيرين
إلى أن ذلك تعبير مبالغ به لكنه الأفضل للحالة التي
وصلنا إليها، مع تزايد أعداد الجرائم من قتل وسرقات،
إلى جانب عدم تفعيل "قانون العشائر"، بالتزامن مع
نمو ظاهرة المشاجرات بين العائلات دون وجود رادع
قانوني أو عشائري.
وقالوا في حديث إلى "الحقيقة الدولية": "وحتى نكون
أكثر إنصافا فإن صيف هذا العام كان الأكثر "سخونة"،
وتحديدا في شهر (آب) الذي سجل وحده 18 جريمة قتل و4
حوادث انتحار وسقوط 35 قتيلا جراء حوادث سير، إضافة
إلى موجة من الاشتباكات العشائرية".
ورغم جهود الجهات الأمنية للحد من ارتفاع نسب
الجرائم من خلال بذلها جهودا مضنية في الحفاظ على
الأمن والاستقرار، إلا أن غياب المنظومة التربوية
التراكمية بدا تأثيرها جليا على نفوس بعض أبناء
الوطن، ممن يسهل عليهم ارتكاب القتل وارتكاب
الجريمة.
جرائم قتل تقع، يبد أن الغريب في الأمر أنه لا معنى
لها فدوافع ارتكابها تكاد لا تذكر، ومن أبرزها على
سبيل المثال قيام شقيقين الشهر الماضي بقتل مواطن
طعنا بالسكاكين وإلقاء جثته بالقرب من أحد المساجد
في عمان، بسبب خلافات مالية لا تصل قيمتها إلى 140
دينارا، أو ذلك الذي قتل صديقه مقابل 10 دنانير.
اضطرابات عشائرية
بدأت أخبار الاضطرابات التي حدثت في مواقع مختلفة في
المملكة خلال فترة قصيرة جدا، تأخذ أولوية على حساب
أخبار تمس المواطن الأردني سواء المتعلقة بارتفاع
الأسعار وعودة المدارس.
فمن طيبة الكرك، أولى تلك التحركات باتجاه العاصمة
احتجاجا على انقطاع المياه، لتأخذ قرية الطيبة في
اربد منصة الإعلام من طيبة الجنوب بصدام عشائري بين
قبيلتين على خلفية مقتل شاب.
ومما لا شك فيه، وفق مراقبين، فإن الأشهر الأخيرة
سجلت ارتفاعا في المشاجرات على أسس عشائرية، إضافة
إلى ازدياد ملحوظ في أعداد قوائم القتل اتخذ منحنى
غير مسبوق من خلال اعتصام كل طرف بعصبيته العشائرية
ورفض الانصياع إلى مفهوم دولة القانون والمؤسسات وفي
بعض الأحيان رفض حتى الأعراف والقوانين العشائرية.
وفي عجلون، استمرت أعمال العنف والشغب لأيام على
خلفية مقتل شاب أيضا ومنها إلى مدينة مأدبا والى
الكرك حيث كان مقتل مواطن آخر سببا لأعمال عنف وكانت
قوات الدرك هي من يتصدر المشهد.
تساؤلات
ويتساءل خبراء في قراءة سريعة لحالة "العنف
الاجتماعي"، إن كان لغياب التوعية الدينية دور في
تمرد مرتكبي الجرائم، الذي لا يحملون في معظمهم
أسبقيات جرمية، على القوانين والأنظمة، حتى "أصبحنا
نلمس تطبيق فكرة خذ حقك بيدك".
عوامل عديدة
ويطرح عدد من الخبراء الاجتماعيين عدد من الأفكار
يرون أنها تشكل جزءا لا يستهان به من أسباب بروز
ظاهرة "العنف الاجتماعي"، منها سعي المواطن إلى
الاحتماء بالعشيرة بدل القانون والقضاء، إلى جانب
فقدان عدد من المواطنين ثقتهم بالحكومات المتعاقبة
والدفع بهم نحو الولاءات الفرعية العشائرية.
وبينوا أن غياب الوازع الديني، الذي خفت بريقه في
المدارس والجامعات اخرج جيلا لم يرب وفق منظومة
تربوية تضبط سلوكياته، خصوصا في ظل الانفتاح نحو
العالم. حتى غدا هذا الجيل "فارغا" من الصعب
المراهنة عليه وضبطه، تحديدا مع غياب ما كان يعرف بـ
"الرمز" الديني، الذي يوجه الناس نحو الفضيلة، إذ
تخلو منابر المساجد أو البرامج التلفزيونية
والإذاعية من دعاة أكفاء قادرين على التأثير
بالمواطن بكل فئاته.
الإعلام والفقر والبطالة
اعتبر مواطنون أن على الإعلام لعب دور في نبذ
الخلافات والعمل على خلق جو من التآلف ما بين أطياف
المجتمع من خلال نشر الإرشادات التي تتبين الأثر
السلبي لهذه الخلافات وضرورة نبذها، معتبرين أن
للجانب المادي دورا كبيرا في تحقيق هذه الخلافات.
ورأوا أن أسباب ظواهر العنف الاجتماعي تتعدد تبعا
لسلوك أفراده وما يحمله الفرد في أعماقه من نظرة إلى
بيئته الاجتماعية المحيطة به. تلك البيئة المتفاعلة
في أنشطتها المتعددة والتي تعمق الانتماء سلبا أو
إيجابا في أفرادها.
وبينوا أنه عندما تفقد أدوات التوجيه والسيطرة
أدبياتها وإخفاقها في العقاب أو الثواب على حد سواء
"فإنها تنعكس بالتالي على قدرة المجتمع في الأداء
الأمثل لمقوماته ومعتقداته القيمية والأخلاقية.
فيكون الانتقام أما من الذات - الانتحار- أو
الاستهتار بالآخر، فيشكل إطارا سلوكيا انتقاميا.
وأكدوا ان من العوامل المساعدة لذلك الفقر والبطالة
وزيادة السكان والفضائيات والمنظمات الدولية التي
باتت تنخر في الأسرة وتعمل على تفتيتها والاحتقان
السياسي وتراخي الدولة في تطبيق النظام على
المنحرفين وأصحاب السوابق.
وتطرق البعض في حديثه إلى اتساع الفجوة بين الإدارة
المركزية في الدولة والمواطنين. فهيبة الدولة
والقانون لا يحميهما إلا من يكون على قدر من
المسؤولية فليس كل من يحمل الشهادة يستطيع أن يكون
قادرا على تحمل المسؤولية ويستطيع إدارتها.
حماية القانون والحفاظ على امن المواطن مسؤولية
جماعية ويتحمل مسؤوليتها من يتبوأ المناصب العليا في
الدولة، فهذه المواقع ليست للرفاهية والاستجمام
وإنما هي للسهر من اجل توفير الأمن والأمان وتوفير
المتطلبات التي يفرضها موقعه. فالأمن سيصبح أمنية
عندما يفقد المواطن الراحة والطمأنينة.
خمش: التضخم السكاني يضعف أدوات الضبط
ورأى الدكتور مجدي خمش أستاذ علم الاجتماع في
الجامعة الأردنية أن "المجتمع الأردني كالمجتمع
العربي يعاني من مشكلة التضخم السكاني والازدحام في
المرور وشراء الحاجيات مما ينزعج من تلك الازدحام،
لافتا إلى ان التزايد السكاني يضعف أدوات الضبط
التقليدية التي كانت موجودة في السابق كالمؤسسات
الدينية والأسرة والجيران ورجال الدين.
وبين ان "الازدحام يؤدي إلى التنافس ما يضعف أدوات
الضبط التقليدية لدرجة وصلت إلى الاعتداء داخل
الأسرة الواحدة لتصل حد القتل نتيجة خلافات مزمنة في
الغالب وتأتي البيئة المحيطة".
وأوضح ان معدلات الجريمة ثابتة نسبية، إلا ان زيادة
التغطية الإعلامية تضخم الأحداث، مشيرا إلى ان
ارتفاع معدلات القتل والانتحار يعود إلى التزايد
السكاني.
وأفاد أن "الحل يكمن بتحديد المسؤولية عن الفعل بما
يضمن شخصية الجريمة وليس أقاربه وأهله ونفكر في
تخفيف الازدحام في المدن من خلال بناء ضواحي
والامتداد إلى البادية والأراضي المفتوحة".
ولفت إلى أن "المسؤولية الفردية وتنفيذ القانون بحزم
بحق المتجاوز لأحكامه سيحد من نسبة الجريمة وسيحول
دون تناميها".
العماوي: احتضان ثقافات غربية زاد من الانحرافات
وقال النائب السابق الدكتور المحامي مصطفى العماوي
إنه من المفروض الحد من الممارسات السلبية التي
يشهدها المجتمع من خلال سيادة وحكم القانون.
وأكد ان الظروف الاقتصادية والإقليمية من بين الظروف
التي أثرت سلبا على مجتمعنا خاصة في ظل احتضانه
ثقافات نتيجة ظروف قهر في دول الجوار، ما أدى إلى
الأخطاء والانحرافات.
وطالب الدكتور العماوي بتعديل قانون العقوبات لحصر
العذر المخفف في الزوجة والأصول والفروع في ثورة
الغضب لحظة وقوع الجريمة.
وأشار إلى أن قانون العقوبات كان واضحا فيما يخص
القتل حيث حدد مفهوم الدفاع الشرعي بالفعل اللازم
لدفع اعتداء محدق ووشيك ما كان ليدفع بغير القتل أو
الإيذاء لكن دخول بعض الأمور الغريبة عن المجتمع
تجاوز تلك النصوص وسبب لنا حرجا في الوطن خاصة أننا
كنا نتباهى بان الأمن الاجتماعي والشمولي أهم من
الأمن الشرطي".
ولفت إلى أن الحد من تنامي الجرائم لا يتم إلا من
خلال تشريع واضح باعتبار وضوح التشريع وتنفيذه بحزم
ودقة سيحول دون الجريمة التي في الغالب تقوم على
شبهات غير حقيقية تصل حد ارتكاب الجرائم بناء على
اتصال هاتفي.
وأكد العماوي أن "تحديد مفهوم العذر المخفف سيحول
دون تسويق القصد والذي يتوفر فيه العلم والإرادة
كعذر مخفف دون توفر شروطه للحد من الأنفس المريضة
التي تؤذي العشائرية والأسر الأردنية".
الطيب: ظواهر القتل دخيلة على مجتمعنا
وأكد الوجه العشائري الدكتور غازي الطيب أن "ظاهرة
القتل دخيلة على مجتمعنا خاصة ان المعدلات سابقا
كانت منخفضة في حين أصبحت الصحف تطالعنا يوميا
بجرائم تهز المجتمع إضافة إلى نوعية الغربية للجرائم
ما يؤثر سلبا على امن مجتمعنا وعلى أفكار الأجيال
وكيفية التصرف مع الآخرين في حال كانوا يملكون
الاستعداد للإجرام".
وأوضح أن كل ذلك "لا يعني وصف مجتمعنا بالإجرام
وطبعه بتلك السمة، مجتمعنا ليس بهذا السوء لكن للحد
من هذه الممارسات لا بد من دراسة أسبابها وبينها
الظروف الاقتصادية والاجتماعية إضافة إلى ان البعد
عن الدين سبب لكثافة العنف وانتشار استخدام الأسلحة
انطلاقا من أن حرمة الدم المسلم أكثر حرمة من الكعبة
المشرفة".
وأشار غازي الطيب إلى أن "تزايد طلبات المواطن في ظل
ندرة الإيراد وتزايد نسب البطالة والفقر يدفع لقضاء
حاجاته بطريقة غير مشروعة وبطريقة العنف والإجرام".
وأكد أن "الحد من تنامي تلك الجرائم يكون من خلال
إجراء دراسات علمية عميقة من قبل مختصين يقدمون حلول
ناجعة تخدم المجتمع وتعيده لتكافله مما يبعدنا عن
الجريمة المتنامية في هذه الأيام.
المصدر : الحقيقة الدولية – عمان – زياد الغويري
1.9.2009














